صفي الرحمان مباركفوري
80
الرحيق المختوم
العذاب أمثال ما ذكرنا . وأسلمت جارية لبني مؤمل - وهم حي من بني عدي - فكان عمر بن الخطاب - وهو يومئذ - مشرك - يضربها ، حتى إذا مل قال : إني لم أترك إلا ملالة « 1 » . وابتاع أبو بكر هذه الجواري فأعتقهن ، كما أعتق بلالا وعامر بن فهيرة « 2 » . وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر ، ثم يلقونه في حر الرمضاء ، ويلبسون بعضا آخر درعا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة « 3 » . وقائمة المعذبين في اللّه طويلة ومؤلمة جدا ، فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه . دار الأرقم كان من الحكمة تلقاء هذه الاضطهادات أن يمنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسلمين عن إعلان إسلامهم قولا أو فعلا ، وأن لا يجتمع بهم إلا سرا ؛ لأنه إذا اجتمع بهم علنا فلا شك أن المشركين يحولون بينه وبين ما يريد من تزكية المسلمين وتعليمهم الكتاب والحكمة ، وربما يفضي ذلك إلى مصادمة الفريقين ، بل وقع ذلك فعلا في السنة الرابعة من النبوة ، وذلك أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب ، فيصلون فيها سرا ، فرآهم نفر من كفار قريش ، فسبوهم وقاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا فسال دمه ، وكان أول دم أهريق في الإسلام « 4 » . ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم ، فكان من الحكمة الاختفاء ، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم ودعوتهم واجتماعهم ، أما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين ، لا يصرفه عن ذلك شيء ، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرا ؛ نظرا لصالحهم وصالح الإسلام ، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا . وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم ، فكان أن اتخذها مركزا لدعوته ، ولاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة « 5 » .
--> ( 1 ) رحمة للعالمين 1 / 57 ، ابن هشام 1 / 319 . ( 2 ) ابن هشام 1 / 318 ، 319 . ( 3 ) رحمة للعالمين 1 / 58 . ( 4 ) ابن هشام 1 / 263 ، مختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب ص 60 . ( 5 ) نفس المصدر الأخير ص 61 .